Comments System

LightBlog

الشيخ محمود محمد رمضان.. أستاذ مقام الكرد

بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة الأحباب مُتابعي شبكة عباقرة التلاوة


الشيخ محمود محمد رمضان

فِي ليلة اليوم العشرين مِن شهر ديسمبر لعام 1927 م، بين جنبات شارع باب البحر بحي باب الشعرية بالقاهرة كان الحاج محمد رمضان تاجر الأقمشة الشهير يستقبل ولده محمود، والذي اعتنى به وألحقه بكتّاب الشيخ محمد المُغير بباب الشعرية؛ فختم القرآن وهو في العاشرة من عمره، ثم راجعه على يد الشيخ سعيد الكبابجي، وجوّده بالأحكام على يد الشيخ سعيد عبدالله من أشهر قراء القرآن الكريم بحي باب الشعرية والذي كان له دور كبير في ظهور الشيخ محمود رمضان بأن أجلسه على دكة التلاوة وهو في الحادية عشرة من عمره، وقد أثنى الجميع عليه منذ سماعه لصوته للمرة الأولى.

احتضنه أحمد صبره -الملحن الشهير- وعلّمه المقامات الصوتية، ويقول (أحمد رمضان) الابن الأصغر للشيخ: "فهام الطالب حُبًّا في الأنغام وأضحى صاحب مدرسة قراءة مختلفة".

(القارئ الطفل المعجزة)
حين صدر القرار الملكي بتحويل مدرسة التجارة إلى كلية التجارة لتتبع جامعة القاهرة، اُقيم حفلاً كبيرًا لتلك المناسبة، كان وقتها سن الشيخ رمضان تسع سنوات.. وقف أمام مرآة منزله الصغير بباب الشعرية إستعدادًا للذهاب إلى حي السيدة زينب حيث مقر الكلية الجديد –معهد التعاون حاليًا- ليتلو بصوته المميز آيات من الذكر الحكيم في افتتاح المقر، بادئا التلاوة بعد مقدمة من مدير المدرسة جاء فيها عبارة {مع القارئ الطفل المعجزة محمود محمد رمضان}.




كان الشيخ علي محمود ذائع الصيت ذلك الوقت، يتنقل بصوته بين الآيات فينتزع الآهات، تأثر به محمود رمضان، وعُرف أنه يقرأ من مقام يسمى الكُرد وهو مقام مشهور في دول تركيا والعراق وإيران قلما يتلو به أحد، وقد تعلم ألا يقلد صوتًا، وكان الشيخ محمود رمضان دائمًا يقول "ماينفعش القارئ يتأثر بأقرانه.. لازم كل شخص يكون له مدرسته الخاصة ببصمة صوته هو".


يُحكى أنه في عزاء الشيخ محمود خليل الحصري، مع نهاية كل آية يُطلق الشيخ سيد مكاوي آهةً ثم يتحرك من مكانه متجهًا صوب المقرئ فتتعثر قدماه ويعاود الجلوس ثانية، فيما لا يقاوم تلك القشعريرة التي انتابته جراء سماع آية جديدة فيحاول الركض مرة أخرة قِبل المُقرئ؛ كي يشكره على حلاوة صوته، غير عابئ بمظهره أمام الآخرين.. كان المقرئ يومها الشيخ محمود محمد رمضان الذي يخطف ألباب السمّيعة، يُبهج أذن من يفهمون في الموسيقى، يجلس أسفل قدميه المئات، يحثونه على قول المزيد، بلهجة صريحة يقولون "إحنا قاعدين معاك للصبح يا شيخ رمضان".


في الذكرى الأولى لرحيل عبدالحليم حافظ كان الشيخان محمود محمد رمضان ومحمد عمران القائمين على القراءة هذه الليلة، وقتها تواجد جميع الملحنين من العالم العربي في المكان، فجأة اقترب إسماعيل شبانة من أُذن الشيخ رمضان وقال له "الأستاذ عبدالوهاب مبسوط منك أوي.. وبيقولك عِيد الآيتين دول تاني زي ما قلتهم بالنص"، لحظات واقترب الأستاذ محمود غراب وهو أحد "السمّيعة" المشهورين، ليهمس للمقرئ في أُذنه "الأستاذ كمال الطويل قاعد مش على بعضه وبمجرد ما خلصت اتنطر من مكانه".


في جلسةٍ ببيت الشيخ رمضان، أراد أصدقاؤه أن يسمعوا صوته في الابتهالات، رفض مرارًا، قبل أن يخضع لطلبهم في النهاية على أن يرددوا معه، كانت الجلسة تضم الشيخ محمود أبوالسعود والشيخ محمود حافظ والشيخ محمد عمران ومجموعة من قراء الإسكندرية منهم القارئ الشيخ محمد السيد السعدني.. رددوا توشيح "يا أيها المختار من خير الورى خُلُقا وخلقا في الجمال توحدا"، يقول الجمع، يتبعهم الشيخ، يعلو صوته متهدجًا بالقصيدة "ماذا أقول لمدحه.."، فيما يتابعه الباقون بكلمات التشجيع "الله" أو "يا سيدي"، بينما ينفعل أحدهم لجمال الصوت قائلا "اللهم صلي عليك يا نبي".. كان ذلك الابتهال هو الأول والأخير الذي تغنّى به الشيخ رمضان، فرغم أن فضله كان كبيرًا على كبار المبتهلين إلا أنه استمر كمقرئ فقط، لإيمانه التام بالتخصص.



كان المبتهل الشيخ محمد الهلباوي يقطن بحي باب الشعرية قبل أن تجمعه صلة بالشيخ رمضان، فبات رفيقه يتعلم منه أصول التلاوة، يحكي الهلباوي ويقول: "كُنا طالعين بنسمع الشيخ رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل فجأة سمعنا صوتًا من منطقة جديدة وبدأنا في الإمساك بتلابيب الشيخ رمضان".

بعد الهلباوي، كان الشيخ عمران التلميذ الثاني في مدرسة رمضان، الأستاذ الذي أدخل مقامًا جديدًا حمل اسم "أثر كُرد"، فكان ثلاثتهم يتميز بالإحساس العالي والخيال لتوصيل المعنى، وهو ما يُسمى بالتصوير القرآني، كان للشيخ رمضان أسلوبه الخاص في تقطيع الآيات، ففي صورة طه مثلاً يقرأ الحوار الدائر بين الله وسيدنا موسى بشكل قصصي، لا يتسرع في السرد، ولا يخل بقواعد الوقف والوصل، يحكي الحوار فيتخيله السامع، أو يقرر أن يقرأ 3 آيات فقط من سورة بعينها، ليعبر بها عن موضوع معين، أو يتعمد عدم البدء من أول الربع كما فعل بسورة الشعراء، حينما بدأ إحدى تلاواته بآية "إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين"، إذ كانت الآية الأخيرة في الربع الأول من السورة، لكنه استهل بها قراءته ليبشر المنصتين.

شهرة الشيخ كانت واسعة بين القراء "بيتعمل له ألف حساب لو في ليلة واللي موجودين عارفين إن الشيخ رمضان هييجي بيتأكدوا إنها ليلة تقيلة"، أما مع السمّيعة فكان ودودًا، حين يَلحظه الناس في طريق الصلاة يتكلمون معه ويرافقونه للمسجد، محبوبٌ بين العوام، يوقفه الناس كل خطوتين، لكنه لا يتأفف، أبناء الجيران يتقافزون على حِجره، أسماه الصِبية في المنطقة "بابا الشيخ" لعظيم حنانه، صاحب دم خفيف "لما يحكي عن حد يكلمك بلهجته، يعرف يقلد لكنات الفلاحين والصعايدة وكأنه بينقل حوار حقيقي مش كلام جامد"، يصالح المتخاصمين، يخشوه رغم طيبة قلبه، صاحب هيبة ووقار، سخي دون حساب "مات مكنش فيه ثروة.. بس عرفنا قيمة الخير بتاعة بعد رحيله".


طوال شهر رمضان يُنصب سرادق كبير يساع الكثيرين، أمام قصر عابدين، يأتي إليه الشيوخ ليقرأوا فيه، ومنهم الشيخ محمود رمضان، كان ذلك المكان الأقرب لقلبه، فبينما اختار بعض أقرانه السفر للخارج خلال الشهر الكريم قرر هو البقاء، على أن يُحيى الليالي من تلك المساحة المتسعة التي يحضر فيها آلاف المستمعين، ويتم توزيع المشروبات، وتنقل إذاعة البرنامج العام والقرآن الكريم التلاوة من التاسعة والربع مساءً وحتى العاشرة.

في عزاء الشيخ مصطفى إسماعيل، كان ميدان التحرير لا يحتمل مكانًا لقدم، وبينما يجلس كمال النجمي –الناقد الفني الشهير المقرب من المشايخ والمنشدين– يتحسر على 38 باكية كاملة –سعة المآتم– وهو يقول: "مفيش صوت يملى الصيوان ده غير مصطفى إسماعيل.. الله يرحمك يا شيخنا"، اقترب منه عاطف مصطفى إسماعيل -ابن القارئ الراحل- وهو يقول "هطلعلك واحد يقدر يملى الفراغ ده"، وبهزة رأس استنكر النجمي الأمر، وكان مخصصًا لكل قارئ 10 دقائق فقط، وما أن اعتلى "رمضان" دكة التلاوة حتى أقرّ الناقد الفني "ده أول واحد يقول جملة موسيقية سليمة".



دخل صاحب مقام الكُرد الإذاعة متأخرًا في عام 1972، فيما كان رفقاء جيله قد انضموا للإذاعة المصرية في منتصف الخمسينيات، وكان انبهار لجنة الاختبار مثارًا للحَكِي، فقد كان ضمن أعضاء اللجنة 2 موسيقيين، فبعدما أنهى التلاوة صاح فيه أحد الموسيقيين متسائلاً "أنت قولت أيه؟"، فرد بتلقائية شارحًا للمقامات، فعقب الموسيقي "أنت عملت حاجة موسيقيًا ماتركبش.. لكنك لم تؤذِ الأذن.. ده شئ مُبهر".. فيما يؤكد تسجيل نادر على أن الشيخ رمضان لا يأبه بالمسميات، حين كان صوته يشدو في حفل افتتاح معهد الموسيقى العربية برمسيس في عام 1968 أي قبل دخوله الإذاعة بأربعة أعوام كاملة.

لم يكن الشيخ يهوى السفر، إلا مرتين لحج بيت الله، صدح في إحداها في مسجد نمرة، فيما كانت قراءاته تلف العالم، فمع كل سفرية لقارئ يعود منها إلى بيت الشيخ، ساردًا كيف استقبلته قاعة كبار الزوار بمطار طهران بآيات من صوت الشيخ رمضان، وآخر عن أسواق الهند التي تتحلى بصوت الشيخ، وثالث يحكي عن نقاد من العراق يتغزلون في حنجرة الرجل وتنقله بين الآيات بسلاسة.



وبعد 53 عامًا وخمسة شهور وفي صباح الأربعاء 27 مايو 1981، أيقظ أبنائه وأجلسهم حوله وهو يقول "أنا هموت وأنا مطمّن"، قالها بكامل صحته، حتى أن الإسعاف اكتفت بإعطائه دواءً وفي المساء قال الطبيب "اشتباه في ذبحة صدرية" اختتم ليلته بجلسة مع الشيوخ المقربين منه، تلاميذ ورفقاء درب.. أدّوا جميعًا صلاة الفجر في المسجد، أسند بعدها كَفّه على وجهه ودخل في نومٍ عميق، نصف ساعة كانت سبيله للانتقال إلى جوار ربه صبيحة الخميس 1981/5/28 وسط حُزن الأسرة والأهل والجيران والأصدقاء والجميع.


يرحمه الله رحمة واسعة ويسكنه فسيح جناته بحق القرآن العظيم.

هناك تعليق واحد:

  1. ما شاء الله، مقال متميز، وصور نادرة جدًا.. جزاكم الله خيرًا فريق العمل العبقري.

    ردحذف